عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
395
الذيل على طبقات الحنابلة
والاستعانة به ، قوي التوكل ، ثابت الجأش ، له أوراد وأذكار يُدْمنها بكيفية وجمعية . وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء ، ومن الجند والأمراء ، ومن التجار والكبراء ، وسائر العامة تحبه ؛ لأنه منتصب لنفعهم ليلاً ونهاراً ، بلسانه وقلمه . وأما شجاعته : فبها تضرب الأمثال ، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال . ولقد أقامه الله تعالى في نوبة قازان . والنقي أعباء الأمر بنفسه . وقام وقعد وطلع ، ودخل وخرج ، واجتمع بالملك - يعني قازان - مرتين ، وبقَطْلوشاه ، وبُولاي . وكان قيجق يتعجب من إقدامه وجراءته على المغول . وله حدة قوية تعتريه في البحث ، حتى كأنه ليث حرِب . وهو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته . وفيه قلة مداراة ، وعدم تؤدة غالباً ، واللّه يغفر له . وله إقدام وشهامة ، وقوة نفس توقعه في أمور صعبة ، فيدفع الله عنه . وله نظم قليل وسط . ولم يتزوج ، ولا تسري ، ولا له من المعلوم إلا شيء قليل وأخوه يقوم بمصالحه ، ولا يطلب منهم غذاء ولا عشاء في غالب الوقت . وما رأيت في العالم أكرم منه ، ولا أفرغ منه عن الدينار والمرهم ، لا يذكره ، ولا أظنه يدور في ذهنه . وفيه مروءة ، وقيام مع أصحابه ، وسعي في مصالحهم . وهو فقير مال له . وملبوسه كآحاد الفقهاء : فَرَّجِيَّه ، ودِلْق ، وعمامة تكون قيمة ثلاثين درهماً ومداس ضعيف الثمن . وشعره مقصوص . وهو رَبْع القامة ، بعيد ما بين المنكبين ، كأن عينيه لسانان ناطقان ، ويصلي بالناس صلاة لا تكون أطول من ركوعها وسجود . وربما قام لمن يجيء من سفر أو غاب عنه ، وإذا جاء فربما يقومون له ، الكل عنده سواء ، كأنه فارغ من هذه الرسوم ، ولم ينحنِ لأحد قط ، وإنما يسلم ويصافح ويبتسم . وقد يعظم جليسه مرة ، ويهينه في المحاورة مرات . قلت : وقد سافر الشيخ مرة على البريد إلى الديار المصرية يستنفر السلطان